•  المقدمة 

 ميلاد سليل الشجاعة

•  عهد الشباب

•  صفات ابي الفضل (ع(

 ألقابه

•  رمز الشجاعة والوفاء  

 مع العباس (ع) في ملحمة عاشوراء

 الأمان

•   المهلة ليلة عاشوراء

•  ليلة تجلّي الوفاء  

•   يوم الدم، يوم الشهادة

•   ملحمة ساحل الفُرات

 مزار المحبّة

•  المصادر   

•  ضريح قمر بني هاشم (ع) على امتداد التاريخ   

  

   المقدمة

 

عند النظر الى القمم السامقة للايمان والشجاعة والوفاء، تقع ابصارنا على رجل نبيل لا مثيل له، اسمه العباس – ابن أمير الؤمنين (ع) – الذي يُعتبر قدوة بارزة في الفضل والكمال والمروءة والشجاعة. واسوة في الاخلاص والثبات والصلابة، ونموذجاً في كل خصلة حسنة وصفة قيّمة تتوقف عليها كرامة الانسان. فقد استقينا منه على الدوام الايمان ومناصرة الحق ومناهضة الباطل. والجيل الذي يحمل اليوم شعار "الله اكبر" مدين لمدرسة الجهاد والشهادة التي كان ابو الفضل (عليه السلام) حامل لواءها، وبقي ماثلاً فيها كشمس مشرقة.

ورغم انه قد مر اليوم أكثر من ألف وثلاثمائة سنة على معالم البطولة والايثار التي تجلت يوم عاشوراء، ووضعت أمام أبصار بني الانسان مرآة تعكس لهم معاني الفضيلة، الا ان التاريخ لازال مشرقاً بفضائل العباس بن علي عليه السلام، وما فتىء اسمه يقترن بالوفاء، والأدب، والايثار، والتضحية. ولم يترك مرور كل هذه السنوات ذرة غبار على ملامح المروءة التي تجسّدت في سلوكه.

كان عاشوراء يوماً زاخراً بالعظمة، ومُلهماً ومليئاً بالملاحم، حيث عكس فيه رجال عظام ونفوس نبيلة، وارادات صلبة، مدى عظمتهم ونبلهم للعالم كله، وازدهى التاريخ ببطولات ومآثر شخصيات عاشوراء وتنفّس التاريخ بنبضات شخصيات كربلاء البطولية التي سطّرت الملاحم. وغدى عاشوراء مدرسة تتعلم فيها الاجيال دروس الايمان، والاخلاص، والمبدأ، والجهاد. وتحوز فيها شهادة الفخر والمجد... وكان العباس من مفاخر النخبة التي تخرّجت من تلك المدرسة.

ولازالت ابواب هذه المدرسة السامية مشرعة امام الراغبين، وتقبل الدارسين. وأحد ابرز اساتذة هذه المدرسة التي تعلّم الوفاء، ومراحل كسب المعرفة، هو حامل راية كربلاء، الذي يقف شامخاً على ذرى الايثار والشهامة، ويفتح بيديه المقطوعتين معبر الحرية، ويدل على طريق النور. وكل هذه الحقائق تكمن في اسم العباس. ويتناهى بمعيّة هذا الإسم الى مشام النفس، عبير "الثقافة".

نحن اذا رمنا الوصل الى ينبوع اليقين وكوثر الايمان، نحتاج الى دليل. فارواحنا عطشى، وقلوبنا تائقة. وأولياء الدين، وقدوات الطهارة والفضيلة يستطيعون ان يدلّونا على الطريق، وارواءنا مما لديهم من زمزم زلال.

ولو وصلنا على امتداد القدوات الى العباس بن علي (ع) نجده مصباحاً مضيئاً بين يدي الناس ويدعونا من بعيد الى سلوك هذا الطريق. فهو نموذج ومثال، لا في الشجاعة والفروسية فحسب، وانّما في الايمان والقيم المعنوية أيضاً. وليس في الصلابة والثبات فقط، بل في العبادة والتهجّد أيضاً. وليس في معاني البسالة والنجدة وحدهما، بل كذلك في الاخلاص والوعي والمعرفة والوفاء.

بين ايديكم مقتطفات ترسم معالم لشخصية ابي الفضل (ع) ليكون اسم وذكر وحياة هذا الشهيد العظيم، والقائد المغوار، مصباح يقين وشعلة ايمان وقادة في أذهاننا وتنير لنا طريق حياتنا.

                                                              جواد محدثي

                                                              قم  1420هـ


 

  ميلاد سليل الشجاعة

 

 

مرّت سنوات على وفاة بضعة الرسول، السيدة الزهراء (ع). وكان علي (ع) قد تزوج بعد فاطمة بامامة بنت رسول الله (ص) وبعد مرور ما يربو على عشر سنوات على تلك الحادثة المؤلمة، لم يزل حزن فراق الزهراء يغمر قلب علي (ع).

وقد كُتب لآل الرسول مصير يدعو الى الدهشة؛ فقد كان بنو هاشم يعيشون مظلومين وهم في ذروة المجد والعظمة. وعندما عزم على علي الزواج من امرأة اخرى، كانت قضية عاشوراء ماثلة أمام ناظريه. فاستدعى أخاه عقلي، الذي كان عارفاً بأنساب العرب وقبائلهم وأرهاطهم وصفاتهم. وخصالهم، وقال له: انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لإتزوّجها فتلد لي غلاماً فارساً.

بعد مدة ذكر له عقيل امرأة من بني كلاب تتوفر فيها هذه الصفات، اسمها فاطمة بنت حزام بن خالد. وكان كل آبائها فرسان. وأما من جهة امها فكانت من عائلة معروفة بالشرف والشجاعة. كان اسمها فاطمة الكلابية، ثم اشتهرت لاحقاً باسم أم البنين. حيث انجبت اربعة بنين احدهم العباس.

ذهب عقيل ليخطبها من ابيها، فرحب الأب بهذه الخطوبة واستجاب لها بفخر واعتزاز. فتزوج امير المؤمنين (ع) بهذه المرأة الشريفة.

"وبلغ من عظمتها ومعرفتها وتبصرها بمقام أهل البيت انها لما أدخلت على أمير المؤمنين وكان الحسنان مريضين أخذت تلاطف القول معهما وتلقي اليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب وما برحت على ذلك تحسن السيرة معهما وتخضع لهما كالأم الحنون"[1].

يُقال انهم عندما كانوا ينادونها فاطمة، قالت لهم: لا تدعوني فاطمة فيتجدد في قلبكم حزن امكم فاطمة، وانما اعتبروني خادمة لكم.

وكانت ثمرة هذا الزواج اربعة بنين هم العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان. وقد قتلوا كلهم بعد سنوات، في واقعة كربلاء. وكان الابن البكر لهذا الزواج هو العباس، الذي نسرد هاهنا فضائله ومناقبه.

"كانت فاطمة الكلابية (ام البنين) من النساء الفاضلات العارفات بحق اهل البيت، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودتهم، امتثالاً لأمر القرآن الكريم الذي جعل اجر الرسالة مودتهم. وكان لها عندهم الجاه الوجيه والمحل الرفيع. وعاشت بعد الامام علي مدة طويلة (اكثر من عشرين سنة) ولم تتزوج من غيره، حفظاً لحرمته[2].

كانت ام البنين على درجة عالية من الايمان، وكانت تحب أبناء رسول الله (ص) أكثر من حبها لأولادها. وعندما وقعت حادثة كربلاء، كانت تترقب الاخبار التي تصل من الكوفة. وكل من كان يخبرها بوفاة ابنائها كانت تسأله ابتداءً عن خبر الحسين، اذ كانت اخبار الحسين أهم عندها من اخبار ابنائها. كان العباس إبناً لمثل هذه المرأة الفاضلة العارفة بحق أهل البيت، وأبوه هو علي بن ابي طالب (ع).

ولد أول مولود لأُم البنين في الرابع من شعبان سنة 26 من الهجرة، وقتل مع اخيه الحسين عليهما السلام في أول سنة 61 من الهجرة وعمره اربع وثلاثون سنة...

ملأت ولادة العباس بيت علي (ع) وقلبه نوراً وأملاً؛ لأن امير المؤمنين كان يرى ان ابنه هذا سيكون حامل لواء ابنه ذاك، والمضحّي بنفسه دونه في كربلاء التي كانت في انتظارهم. وسيبذل العباس بن علي نفسه دون الحسين بن فاطمة.

وعندما ولد العباس، اخذه علي (ع) وأذّن وأقام في أُذنيه. وقرأ اسم الله ورسوله فيهما، فعقده مع الدين والتوحيد والرسالة، وسمّاه العباس[3].

وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل ( عليه السلام )، قام الاِمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بحلق شعره، والتصدّق بزنته ذهباً أو فضّة على المساكين وعقّ عنه بكبش، كما فعل ذلك مع الحسن والحسين ( عليهما السلام ) عملاً بالسنّة الاسلامية[4].

"ذكر صاحب كتاب (قمر بني هاشم) ان ام البنين رأت أمير الؤمنين في بعض الايام اجلس أبا الفضل عليه السلام على فخذه وشمر عن ساعديه وقبلهما وبكى فأدهشها الحال لأنها لم تكن تعهد صبياً بتلك الشمائل العلوية ينظر إليه أبوه ويبكي من دون سبب ظاهر ولما اوقفها أمير المؤمنين على غامض القضاء وما يجري على يديه من القطع في نصرة الحسين عليه السلام بكت وأعولت..."[5].

وعند مولد العباس امتلأت دار علي (ع) فرحاً وحزناًً؛ الفرح كان لمجيء هذا المولود الجديد، والحزن والدموع لما سيلقاه مُستَقبلاً في كربلاء من قطع يديه وقتله.

نشأ العباس في دار علي (ع) في حجر أمّه المؤمنة الوفيّة، والى جانب الحسن والحسين (عليهما السلام)، وتعلّم من آل رسول الله، من ابناء هذه الاسرة الطيّبة، دروساً عظيمة في الانسانية والاخلاص وسمو الاخلاق.

وقد كان لتربية الامام علي (ع) من غير شك، تأثير بارز في صياغة الشخصية الفكرية والنفسية لهذا الفتى. وجاء ادراكه العالي انطلاقاً من هذه التربية النبيلة.

"قيل لما كان العباس وزينب ولدي علي صغيرين، قال علي عليه السلام للعباس قل: واحد. فقال: واحد. فقال له: قل اثنان، قال: استحي ان اقول باللسان الذي قلت واحداً قول اثنان. فقبّل علي عليه السلام بين عينيه"[6].

كان نبوغه الذاتي وتربيته العائلية سبباً لتكامله اخلاقياً وروحياً، ونمت تلك الجوانب من شخصيّته الى جانب نمو قواه الجسمية والعضلية حتى غدا شاباً كاملاً وممتازاً وصالحاً. لم ينحصر تفوقه في طوله الفارع فحسب، وانّما كان بارعاً في عقله وفي معالمه الانسانية أيضاً. كان يعلم لأي يوم عظيم قَد ادُّخِر، حتى يبذل نفسه في نصرة حجة الله. فهو قد وُلِد من اجل يوم عاشوراء.

كانت هذه الحقيقة نصب عيني علي (ع) حينما أراد الزواج بأُم البنين. وعندما كان علي على فراش الشهادة، ذكّر عباس بـ"سرّ الدم" هذا، وهمس في اذنه.

لما كانت ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان عام 40هـ، واشرف علي عليه السلام على الموت، اخذ العباس وضمه الى صدره الشريف وقال: ولدي  وستقر عيني بك في يوم القيامة، ولدي إذا كان يوم عاشوراء ودخلت المشرعة إياك ان تشرب الماء واخوك الحسين عطشان ...))[7].

كان هذا أول درس عاشوراء تعلّمه ليلة شهادة علي (ع)، وبقي في ذهنه على الدوام الى يوم عاشوراء.

لعلّه في تلك اللحظات الاخيرة من عمر علي، حين التف اولاده حول فراشه، وكان يساورهم القلق من المستقبل، لعله أوصى كل واحد منهم بما ينبغي. ولا يُستبعد انه اخذ بيد العباس ووضعها في يد الحسين (ع)، وقال له: يا عباس! نفسك ونفس الحسين في كربلاء. إياك ان تفارقه وتتركه وحيداً!

كان لعباس شرف النسب والمحتد، وكثيراً ما كان يحظى برعاية علي (ع) وأمه، أم البنين. وكانت هذه المرأة امرأة شريفة وعارفة بحق اهل البيت ومخلصة في ولائهم. وفي المقابل كان لها عندهم الجاه الوجيه والمحل الرفيع، وقد زارتها زينب بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الاربعة، كما كانت تزورها أيام العيد[8]. وهذا ما يدل على عظيم منـزلتها عندهم.


 

  عهد الشباب

 

 

منذ ان ولد العباس، وجد الى جانبه امير المؤمنين والامام الحسن والامام الحسين ولقي منهم العطف والحنان، وارتوى من معين علمهم وفضلهم.

مرّت اربع عشرة سنة من عمر العباس كان خلالها الى جانب علي (ع) حينما كان (ع) في صراع من اعدائه. وقيل ان العباس اشترك في بعض هذه المعارك عندما كان صبياً في الثانية عشر من عمره، وكان حينها شجاعاً وباسلاً وبطلاً، وقادراً على منازلة الشجعان ومشاهير الأبطال. وحضر بعض الحروب فلم يأذن له أبوه بالنـزال[9]، وكذلك لم يكن يأذن كثيراً للحسن والحسين بالنـزول الى ميدان البراز. فقد كانوا ذخائر الله لما يُستقبل من أيام الاسلام. وكان ينبغي ان يحفظ العباس نفسه وشجاعته وقوته ليوم كربلاء ومن اجل الحسين وليكون حامل لواء الحسين.

سجّل البعض مقتطفات من معالم بطولات هذا الفتى الشجاع في معركة صفين. وان صحّت هذه الاخبار فهي دلالة على انه كان يتصف بالفروسية والبسالة منذ أيام صباه، حينما كان في الثانية عشر من عمره.

ألم يكن ابن اخيه، القاسم، في الثالثة عشر من عمره وسجّل تلك المواقف البطولية بين يدي عمّه، مما جعله موضع استحسان وتقدير الجميع؟ وألم يبارز أبوه، علي بن ابي طالب (ع) في أيام شبابه، فرسان العرب مثل مرحب في معركة خيبر، وعمرو بن ودّ في معركة الخندق، ويجندلهم قتلى في ساحة الوغى؟ ألم يكن العباس أخا الامام الحسن والامام الحسين ومحمد بن الحنفية، وزينب وأم كلثوم.

وألم يكن آباؤه لأُمّه من قبيلة بن كلاب شجعان العرب وفرسانهم في ميادين القتال والفروسية والرماية؟ لقد كان العباس ملتقى رهطين وأصلين من أصول الشجاعة، من ناحية ابيه علي (ع)، ومن ناحية أُمّه. وقد برزت معالم فروسيّته في سن الشباب.

فمما يروى انه في بعض أيام صفين ".... قال: قد روى بعض من اثق به بان يوما من ايام صفين خرج شاب من عسكر امير المؤمنين عليه السلام وعليه لثام، وقد ظهر منه آثار الشجاعة والهيبة والسطوة، بحيث ان اهل الشام قد تقاعدوا عن حربه، وجلسوا ينظرون وغلب عليهم الخوف والخشية، فما برز اليه احد. فدعى معاوية برجل من اصحابه يقال له ابن الشعثاء وكان يعد بعشرة الاف فارس، وقال له معاوية: اخرج الى هذا الشاب وبارزه. فقال: يا امير ان الناس يعدونني بعشرة آلاف فارس. فكيف تامرني بمبارزة هذا الصبي؟ فقال معاوية فما نصنع؟ قال يا امير ان لي سبعة بنين ابعث اليه واحدا منهم ليقتله، فقال له: افعل. فبعث اليه احد اولاده فقتله الشاب. وبعث اليه بآخر فقتله الشاب حتى بعث جميع اولاده فقتلهم الشاب. فعند ذلك خرج ابن الشعثاء وهو يقول ايها الشاب قتلت جميع اولادي والله لأثكلن اباك وامك. ثم حمل اللعين وحمل عليه الشاب فدارت بينهما ضربات فضربه الشاب ضربة قده نصفين والحقه بأولاده، فعجب الحاضرون من شجاعته. فعند ذلك صاح امير المؤمنين ودعاه وقال له: ارجع يا بني فاني اخاف ان تصيبك عيون الاعداء. فرجع وتقدم اليه امير المؤمنين وأرخى اللثام عنه وقبل ما بين عينيه. فنظروا اليه واذا هو قمر بني هاشم العباس بن امير المؤمنين عليه السلام "[10].

وذكروا أيضاً انه في معركة صفين لما استولى أصحاب معاوية على الماء، وأضر العطش بأصحاب علي، نادى على اصحابه وانتدب عليهم الحسين (ع) ووجهم لكشف الاعداء عن الشريعة واستعادة السيطرة على الماء. وكان العباس يومها الى جانب الحسين ينصره ويؤازره.

وانقضت هذه الحوادث الى أن حلَّ العام الاربعين من الهجرة، حين وقعت رزيّة محراب الكوفة. فحينما استشهد علي (ع)، كان عمر العباس اربع عشرة سنة. وشهد ببالغ الحزن والأسى دفن أبيه خفية في جوف الليل. ومما لاشك فيه ان هذا الأسى البالغ قد نال ما نال من مشاعره المرهفة. ولكن كان له من بعد أبيه معوّل كالحسنين (عليهما السلام)؛ اذ تربّى في كنفهما وعزّتهما. ولم تزل من ذاكرته وصية ابيه له في ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان عندما كان على وشك الشهادة. اذ أوصاه ان لا يتخلّى عن الحسين يوم عاشوراء، وفي ميدان كربلاء. كان يعلم ان أمامه أيام مريرة، وينبغي ان يتأهب لها ويُشمّر عن سواعد الهمّة والشجاعة، ويقدّم نفسه قرباناً عظيماً في منى العشق في كربلاء، ليلتحق بقافلة الخالدين.

ومرّت عليه عشر سنوات مريرة اخرى. فبعدما آلت الإمامة الى اخيه الحسن المجتبى (ع)، أضطر على اثر الاحابيل التي مارسها ضده معاوية، الى قبول الصلح المفروض عليه فرضاً. فتصاعدت وتيرة ظلم الامويين؛ اذ قتلوا حجر بن عدي واصحابه، وقتلوا عمرو بن الحمق الخُزاعي، وتواصل التضييق على آل علي. وكان الخطباء والوعاظ التابعون لبلاط معاوية يشتمون أباه علياً (ع) فوق المنابر. وكان العباس يعيش تلك الأيام المؤلمة الى ان حان وقت شهادة الامام الحسن. فعندما سُقي الامام الحسن السم وقضى شهيداً، كان العباس في الرابعة والعشرين من عمره، فجثم على صدره عند ذاك حزن آخر.

وبعد ان أبكى الامام الحسن (ع) بني هاشم حزناً على رحيله، وغادر الدنيا الى الرفيق الأعلى، عادت على آل البيت مرّة اخرى تجربة رحلة رسول الله، وفاطمة الزهراء، وعلي المرتضى، وتجددت احزانهم في القلوب. فامتلأت دار الامام الحسن بكاءً وعويلاً. فكان العباس ممن حضروا دفنه وبكى أخاه ورثاه، وهال على رأسه تراب العزاء، وأنَّ عليه بزفرات تحمل حرقة ولوعة[11]. ولكن كان لابد من تحمّل الاحزان والهموم والتسليم لقضاء الله واعداد النفس لمواجهة أيام أشد مرارة. فبعد تغسيل الامام الحسن (ع) وتكفينه كان عباس يساعد اخويه الحسين ومحمد بن الحنفية[12]. وشهد يومذاك أسوء وأمرّ مشاهد المظلومية التي جرت على اهل البيت. فعندما ادخلوا جنازة الامام الحسن (ع) الى قبر النبي (ص) لوداعه، ظن المروانيون انهم يريدون دفنه هناك. فمنعوهم من دفنه ورموا الجنازة بالسهام. وقد ذكر صاحب كتاب (قمر بني هاشم، ص 84) انه لما رأى جنازة سيد شباب أهل الجنة ترمى بالسهام عظم عليه الأمر ولم يطق صبراً دون ان جرد سيفه وأراد البطش بأصحاب "البغلة"، لولا كراهية السبط الشهيد الحرب، عملاً بوصية اخيه (الا تهرق من أمري محجمة من دم) فصبر أبو الفضل على أحر من جمر الغضا ينظر الفرصة ويترقب الوعد الالهي فاجهد النفس وبذل النفيس في مشهد (النواءسي) وحاز كلتا الحسنين)[13].

ومرّت تلك السنوات أيضاً. وكان العباس يعيش في كنف أخيه الحسين (ع) الى جانب فتية آخرين من آل الرسول، وشهد تقلبات وصروف الدهر.

بعد سنوات من شهادة الامام علي (ع)، وفي اوائل إمامة الامام الحسن تزوج العباس – حين كان في الثامنة عشر من عمره – لُبابة بنت عبد الله بن العباس. وعبد الله بن العباس هو المحدّث والمفسّر البارع الذي يعدّ من تلاميذ امير المؤمنين (ع).

كانت شخصية هذه المرأة الفاضلة قد تبلورت في كنف أبيها الذي يُعتبر مفسر الأمّة، واكتسبت هناك العلم والأدب. وكانت ثمرة هذا الزواج إبنان أحدهما عبيد الله، والآخر الفضل[14]، وقد أصبحا فيما بعد من كبار علماء الدين والعارفين بالقرآن. وكان هناك من احفاد ابي الفضل من عرفوا لاحقاً، وفي عهود الأئمة الآخرين بأنهم من رواة الحديث وعلماء الدين[15] وهذا النور العلوي الذي تجلّى في شخصية العباس، استمر في ذريّته، فقدّم لدين الله حماة كلهم من العلماء والعُبّاد والادباء والفصحاء[16].

كان العباس يعيش في المدينة المنوّرة بين بني هاشم، ومرّت الأيام الى ان حلَّ عام ستّين للهجرة، ووقعت حادثة كربلاء، وكان له موقفه العظيم في تلك الملحمة. وسنسلّط الأضواء هنا على هذا المقطع من حياته المعطاء.

قضى العباس حياته برفقة الامام الحسين (ع)، وأمضى أيام شبابه إلى جانبه. وكانت له بين شباب بني هاشم عزّة وجلال؛ اذ كانوا يلتفون حوله حتّى ألّفوا حلقة من المحبّة والوفاء، وكان يقدّر عددهم بثلاثين شخصاً، وكانوا على الدوام بين يدي الامام الحسن والامام الحسين، وعلى استعداد للدفاع عنهما وبذل الانفس دونهما. وكانت المجالس كثيراً ما تشيد بحمية وغيرة هؤلاء الفتية وخاصة صولة وحمية العباس.

بعد موت معاوية، عندما اراد والي المدينة ان يعرض على الامام الحسين (ع) كتاب وطلب يزيد حول مبايعة الامام الحسين (ع)، وحصل لقاء بين الامام والوليد في دار الامامة، كان هناك ثلاثين رجلاً من فتية بني هاشم بقيادة العباس قد جردوا سيوفهم ووقفوا عند باب دار الوليد، في انتظار اية اشارة تصدر من الامام ليقتحموا الدار ويحولوا دون وقوع ما لا يُرام. كما ان الذين ساروا من المدينة الى مكّة، ومنها الى كربلاء، كانوا بقيادة ابي الفضل (ع)[17].


 

 


 

  صفات ابي الفضل (ع)

 

 

كان العباس وسيماً دمث الاخلاق، وله نور معنوي وبهاء يضاهي القمر نوراً. وكان جمال ظاهره انعكاس لصفاء باطنه، حيث كان وجهه مشرق كالقمر بين كواكب بني هاشم الذين كانوا كلهم كمالاً وجمالاً. ولهذا السبب سُمّي بقمر بني هاشم.

واذا أريد رسم صورة لتبيان معالم شخصيّته ينبغي عدم الاكتفاء بما كان له من قامة مديدة وطلعة رشيدة وحاجب أزج ووجه كفلقة القمر. بل كانت فضائله وسجاياه الوضّاءة ايضاً. ولم يك ذلك يمثّل إلاّ جزءاً من كل ملامح شخصية ابي الفضل. فمن جهة كان شديد التقوى والتديّن والالتزام، ومن جهة اخرى كان يعد من اعاظم ابطال الاسلام. اذاً فهو كان حسن الصورة والسيرة في آن واحد. كان طويل القامة وممشوق القد، ومفتول العضلات وعظيم السواعد، ومحياه طلق وضّاء تتموّج عليه امواه الحسن، والبهاء، وقد اجتمعت فيه كل معالم الجمال.

وكان العباس رجلاً وسيماً جميلاً يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الارض وكان يقال له قمر بني هاشم[18].

كان العباس قد ورث الشجاعة والنجدة من أبيه، وكان في الكرم والسماحة وعزة النفس والجود تذكاراً لكل مكارم ومناقب بني هاشم. وكان على جبينه اثر السجود، وهو ما ينم عن التهجّد والعبادة والخضوع لله. وكان فارساً مغواراً، وفي الوقت ذاته مطيعاً لربّه وعارفاً باسرار الدعاء والتضرّع والتهجّد.

كان فؤاده صلباً كزبر الحديد، وفكره بيّن وعقيدته راسخة وثابت الجنان. وكان التوحيد وحب الله مغروساً في اعماق ذاته. وكان كثير العبادة، حتى انّ الشيخ الصدوق وصفه بالقول: "كان بين عينيه اثر السجود"[19].

أما ايمان وبصيرة ووفاء العباس فهو مشهور، وكان يذكره ألائمة على الدوام، ويثنون عليه بصفته شخصية مثالية ونبيلة.

نظر الامام السجاد (ع) ذات يوم الى عبيد الله بن أبي الفضل العباس (ع) فاستعبر. ثم استذكر مشهداً من معركة أُحد ومشهد كربلاء، فذكر عمَّ الرسول (الحمزة سيد الشهداء)، وعمّه العباس بن علي، وقال:

" ما من يوم اشد على رسول الله (ص) من يوم أحد، قُتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب، اسد الله واسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قُتل فيه ابن عمّه جعفر بن ابي طالب. ثم قال: ولا كيوم الحسين ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون انهم من هذه الأُمّة، كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكّرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً".

ثم ذكر تضحية وعظمة العباس (ع) قائلاً:

"رحم الله عمي العباس، ضحى من اجل اخيه حتى قطعت يداه، ويعطى يوم القيامة جناحان يطير بهما في الجنة مع الملائكة. ان للعباس عند الله تعالى منـزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة"[20].

لقد غدت تضحية العباس وايثاره ملهمةً لتضحيات كبرى في سبيل الدين والعقيدة. والكثير من المضحين اذا قطعت يدهم مثلاً في سبيل ما يحبّون، فهم يعتبرون انفسهم من السائرين على خُطا هذا المثل الكبير في التضحية، والمثال الذين يحذون حذوه في هذا الفداء، جعفر الطيار، والعباس بن علي.

وقد اثنى الامام الصادق (ع) أيضاً على صلابة وبصيرة العباس وتمسكه بالحق والولاية وجهاده في سبيل الله، مشيراً الى ان هذه الصفة متجسّدة في شخصية العباس:

"كان عمّنا العباس بن علي نافذ بصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله ( عليه السلام )، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً"[21].

وأشير في زيارة اخرى له الى هذه البصيرة والاقتداء بالصالحين:

"واشهد انك مضيت على بصيرة من امرك مقتدياً بالصالحين"[22].

ان ما جاء في وصف الامام إياه بنفاذ البصيرة، شهادة فخر له. وهذه السجايا السامية هي التي جعلت من العباس بن علي شخصية وضّاءة وخالدة. اذ كان معروفاً بالفروسية والنجدة والى جانب ذلك كانت له فضائل عالية في العلم والتقوى، تجلت منذ نعومة أظفاره حيث جاء في بعض التعابير انه "زُقَّ العلم زقّاً"[23] وهذا ما يدل على تزوّده بتلك العلوم منذ طفولته.

أما بالنسبة الى مقامه الفقهي فقد كانت له عند الرواة منـزلة فقهية كبيرة، وكان ثقة وتقياً وقد وصفه بعض الأكابر بالقول:

"وقد كان من فقهاء اولاد الأئمة وكان عدلاً ثقة تقياً نقياً"[24].

ووصفه المرحوم القائيني بما يلي:

"ان العباس من اكابر وافاضل فقهاء اهل البيت، بل انه عالم غير معلم"[25].

ان لهذا الفارس المغوار الشهيد قرباً ومنـزلة عند الله، اضافة الى ذلك فهو يشفع لغيره يوم القيامة، ويكون من اسباب شفاعة فاطمة الزهراء. فقد جاء في الرواية:

"انه اذا كان يوم القيامة واشتد الأمر على الناس بعث رسول الله صلى الله  عليه وآله وسلم امير المؤمنين عليه السلام الى فاطمة لتحضر مقام الشفاعة، فيقول امير المؤمنين عليه السلام: يا فاطمة ما عندك من اسباب الشفاعة وما ادخرت لأجل هذا اليوم الذي فيه الفزع الأكبر فتقول فاطمة عليها السلام: يا امير المؤمنين كفانا لأجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العباس ...."[26].

مفخرة العباس الكبرى انه وضع نفسه طيلة عمره في خدمة الامامة والولاية واهل البيت، خاصة ملازمته ومواقفه الداعمة وحمايته لأبي عبد الله الحسين (ع)، إذ كان لأخيه عضداً ودعماً وسنداً، اذ كان مكانه منه كمكان امير المؤمنين من النبي (ص). لاحظ فيما يلي المقارنة التي عقدها أحد الكتاب في هذا المجال:

كانت للعباس في كثير من الامور الاجتماعية مواقف كمواقف ابيه في المروءة والشجاعة والنجدة. فقد كان العباس سنداً وحامياً للحسين كأبيه الذي كان سنداً ودرعاً لرسول الله (ص). وكانت للعباس مواقف في الحروب شهامة وثبات جنان وصبر وايمان وقوّة ساعد واراده، وعدم الادبار وعدم الخوف من كثرة عدد العدو وعدّته، وقد تجلّت كل هذه الخصال منه في كربلاء. وهكذا كانت مواقف أبيه في بدر وأحد والخندق وخيبر وغيرها من المواقف.

ومثلما كان علي (ع) يحمل التمر والخبز على ظهره ويأخذه الى الأيتام والمساكين، كان العباس أيضاً يفعل ذلك برفقة وبأمر اخيه؛ اذ كان يطعم الكثير من الجياع في مكة والمدينة بهذه الطريقة. ومثلما كان عليَّ باب حوائج الرسول، وكل من كان يريد الرسول، عليه ان يتوجّه الى علي ويدعوه أوّلاً، كذلك العباس فهو باب الحوائج عند اعتاب الحسين، وكل من يقصد الحسين لحاجة، يندب لها العباس.

ومثلما بذل الاب نفسه دون الرسول حين نام في فراش الرسول، كذلك ضحّى ولده العباس بنفسه يوم عاشوراء حين توجّه لجلب الماء للاطفال. ومثلما كان علي يقاتل بين يدي الرسول (ص)، قاتل العباس بين يدي اخيه الحسين الى ان قُتِل. ومثلما سار الأب الى الاعداء بمفرده، برز العباس ايضاً الى الأعداء بمفرده[27].


 

 

  ألقابه

 

 

الاسماء تميّز اصحابها عن غيرهم. واضافة الى الأسماء فان الصفات والسجايا الاخلاقية والسلوكية للاشخاص تميّزهم عن غيرهم أيضاً. وتوضع لهم الالقاب بناءً على تلك الخصائص، ويدعونهم او يذكرونهم بتلك الالقاب.

عندما ننظر الى الألقاب الجميلة لأبي الفضل العباس، نجدها كالمرآة؛ إذ تعكس كل واحدة منها طيبة نفس وفضائل أبي الفضائل. لقد اشتهرت بعض ألقاب العباس في زمن حياته، وأطلق بعضها الآخر عليه لاحقاً. ويمثّل كل واحد منها منقبة ومفخرة وفضيلة خالدة.

ما أجمل ان يتطابق الاسم مع المُسمّى واللقب مع المُلَقَّب، ويصدق اللقب والاسم والعنوان على من يُطلق عليه.

كان اسم هذا الابن البار لأمير المؤمنين "العبّاس"؛ لأنه كان ينقضُّ على الاعداء كالأسد، اذ كان يتصف بشدّة البأس، وفي ميادين الوغى كالليث الهصور يلقي الرعب في قلوب الاعداء.

كنيته "ابو الفضل" من جهة ان له ولداً اسمه الفضل؛ ومن جهة اخرى لأنه كان له فضل لا يخفى نوره، ومن فضائله الجسام نعرف انه ممن حُبس الفضل عليه ووقف لديه؛ فهو رضيع لبانه وركن من أركانه.

ومن ألقابه "ابو القربة" لحمله الماء وانه كان معروفاً بين بني هاشم بالسقاية منذ طفولته[28].

وكان يُلقب أيضاً بـ"السقا" لأنه كان يجلب الماء للعطاشى والاطفال، خاصة في سفر كربلاء، ويقدّمه الى السائرين في ركب القافلة، والى عطاشى خيام ابي عبد الله (ع). وكان من مسؤولياته في كربلاء توفير الماء لخيام الحسين. ففي السابع من المحرم منعوا الماء عن اصحاب الحسين. فنهض العباس مع جماعة من اصحاب الامام وشقّوا صفوف الاعداء، وجلب الماء من الفرات الى الخيام. وفي يوم عاشوراء استشهد عندما كان يجلب الماء للعطاشى[29]. (وهو ما سنأتي على شرحه لاحقاً).

فهو سليل هاشم وعبد المطلب وأبي طالب الذين كانوا يقدمون بسقاية الحاج. وكان الامام علي (ع) قد احتفر ذلك البئر ليرتوي منه العطاشى. وفي صفين، بعد ان استولى اصحابه على الماء، أباحه لأعدائه، ليكون ذلك شاهداً على مروءة جبهة علي (ع).

وسار العباس على هذا المنهج وبقي حارساً لهذه المنقبة والمنـزلة والشرف؛ فأخذ على عاتقه في كربلاء مهمة السقاية.

ومن ألقابه الاخرى "قمر بني هاشم" لأنه كان في بني هاشم فذاً في عالم البهاء، وكالقمر الفائق في الليلة الظلماء.

واشتهر أيضاً بلقب باب الحوائج؛ اذ ان ضريحه السامق قبلة لذوي الحاجات والتوسّل به يفيد في تلبية حاجات المحتاجين وذوي البؤس. فقد كان اثناء حياته باب رحمة وموضع حاجة وينبوع كرم، واذا كان لأحدهم حاجة عند الحسين، كانوا يأتونه عن طريق العباس. وبعد شهادته أيضاً فهو يرعى المتوسّلين باسمه المبارك برعاية خاصّة، وان الله عز وجل يجيب حاجة المحتاجين تكريماً لإيمانه وايثاره وشهادته. فالكثير ممن توسّلوا بعتبة فضل ابي الفضل، وتوجّهوا الى باب كرمه ومروءته، شفوا، او حُلّت مشكلاتهم واستجيبت دعواتهم. وقد وردت في كُتب شتّى حكايات عجيبة من كرامات أبي الفضل العباس (ع)[30].

ان قراءة وسماع مثل هذه الكرامات (ان كانت صحيحة ومسندة) يزيد ايمان الانسان وعقيدته ومحبّته[31].

ومن ألقابه الاخرى أيضاً "رئيس عسكر الحسين"[32]، وعُرِف أيضاً، بحامل اللواء. وجاء هذا اللقب بناءً على دوره في حمل الراية في كربلاء. فقد كان العباس هو القائد العسكري – لقوات الحق بين يدي الامام الحسين (ع). وقد خاطبه سيد الشهداء نفسه بعنوان "صاحب اللواء" وهو ما يدلُّ على دوره في حمل راية الجيش يومذاك.

ومن ألقابه الاخرى "العبد الصالح" وقد جاء هذا اللقب في زياته المروية عن الامام الصادق (ع). فهذه مفخرة كبرى ان يصف إمامُ معصومٌ، العباسَ الشهيد بصفة العبد الصالح المطيع لله ولرسوله.

ومن ألقابه الاخرى "الطيار" فهو كعمه جعفر الطيار، يُعطي جناحان بدل يديه القطيعتين، ليطير بهما في الجنة مع الملائكة. وهذه البشرى بشّر بها أبوه امير المؤمنين (ع) اثناء ما كان العباس طفلاً؛ اذ قبل يديه وبكى، وأعلم أهل بيته بما سيجري له[33].

ولقبه الآخر "المواسي" وهو اشارة الى مواساته لأخيه الحسين (ع) وبذل نفسه من أجله[34].

كان العباس طيلة حياته يجعل من نفسه درعاً لحماية امام زمانه، وكان ملازماً له على الدوام لا يفارقه، ويقاتل دونه[35]. وكان يميل مع الحسين حيثما مال، فكان بمثابة ظل لشخص الحسين، رغم ان كان على درجة عالية من العلم والتقوى، والشجاعة والفضيلة، الى درجة انه كان يُضرب به المثل في هذه الفضائل، إلا انه ذاب في طاعة اخيه، وجعل نفسه طوع أمر مولاه سيد الشهداء. وبقي يسير على هذا النهج لكي يقدّم للآخرين درساً في الموالاة والمواساة، ويبيّن الاسلوب الصحيح للارتباط مع ولي الله.

وهناك قضية اخرى جديرة بالتأمّل وهي ان ولادة الحسين كانت في الثالث من شعبان وجاءت ولادة العباس في الرابع منه. ولعل هذا يرمز الى ان العباس كان بمثابة ظل لشمس الامامة، حيث بقي طيلة حياته يتحرّك بمثابة ظل لامامه حتى في يوم ولادته إذ إنه ولد بيوم واحد بعد ولادته (بعد عشرين سنة طبعاً).

وفي واقعة عاشوراء وفي تلك الليلة الموعودة والالهية، تكفل العبّاس بمهمة حراسة خيام الحسين والمحافظة عليها؛ فكان حارساً لحريم وحرم الامامة.

هذه الألقاب ذات المغزى العميق يُمثل كل واحد منها لوحة تبيّن فضائله وتدلّنا على سمو نفسه، ورباطة جأشه، وعمق ايمانه، ونور قلبه، مما يزيد محبّته ذلك الجندي المضحّي الحامي للقرآن والدين.

ومادمنا نتحدّث هنا عن كناه وألقابه، فمن المناسب ان نورد فيما يلي، نُتفاً مما قاله فيه الائمة (عليهم السلام):

جاء في زيارته نقلاً عن الإمام الصادق (ع)، والخطاب هنا موجّه الى العباس (ع):

"السلام عليك ايها العبد المطيع لله ولرسوله ولامير المؤمنين والحسن والحسين ... أشهد وأشهد الله انك مضيت على ما مضى به البدريون والمجاهدون في سبيل الله والمناصحون له في جهاد اعدائه، الذابّون عن احبّائه..."[36].

وقد ذكرنا في الصفحات السابقة التعابير الجليلة التي وصفه بها الامام الصادق (ع)[37].

وجاء في زيارة الناحية المقدسة المرويّة عن امام الزمان (عليه السلام)، والخطاب موجّه الى العبّاس (ع): "السلام على ابي الفضل العباس بن امير المؤمنين المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه..."[38].

ما أجمل ما يحمله هذا الانسان العظيم من روح المواساة والايثار، فهو قد أنشد هذه الاشعار عند نهر الفرات عندما كان في شدّة العطش:

يانفس من بعد الحسين هوني     وبعده لا كنت ان تكوني

هذا الحسيـن وارد المنـون     وتشربـين بـارد المعين

ان اعظم عبادات وفضائل العباس نصرته لابن رسول الله وحماته لذرية فاطمة الزهراء، وسقيه لاطفال الحسين (ع) العطاشى، وتضحيته بنفسه في هذا السبيل.


  رمز الشجاعة والوفاء

 

 

الشجاعة ليست ذات قيمة بمعزل عن الوفاء، ولا للوفاء تأثير بلا شجاعة. فطريق الحق يتطلب انساناً صلباً وشديد المراس ووفياً. وميادين الوغى تريد بسالة وشجاعة مزيجة بالوفاء لطريق الحق، ومُثُلاً سامية، وقائداً معصوماً. وهذه الصفات تتوفر كلّها في أعلى درجاتها في ابن علي (ع). فمن ناحية الأم، تنتمي ام العباس الى قوم معروفين بالبسالة والنجدة. ومن ناحية الأب، كان يضم بين جوانحه روح علي. اذ كان يتصف بشجاعة ذاتية من جهة، ومن جهة اخرى كانت له شهامة ورثها من ظروف الحياة والبيئة التربوية، والقسم الآخر منها ناتج من الايمان والعقيدة الهادفة التي جعلت منه بطلاً مغواراً.

كان علي (ع) والد العباس، رجلاً عظيماً منح للشجاعة معنىً جديداً. وكان ابو الفضل، نجل هذا الوالد، ووليد مدرسة مثالها علي (ع). فهذه أسرة نشأ أبناؤها في ظل السيف وترعرعوا في ميادين الجهاد، وألفوا القتال والشهادة.

كان ميدان عاشوراء افضل ميدان تبرز فيه شجاعة العباس ووفائه. وفعلاً تجلّى وفاء العبّاس في أعلى درجة وفي أجمل صورة. بَيد ان أُفق شجاعته لم يجد أمامه المجال لكي يتجلّى كما ينبغي. ولعل المسؤوليات والمهام الجسيمة التي انيطت به، في تدبير الامور، وحمل الراية، وجلب الماء الى الخيام، وحراسة فاقلة الشهادة، لم تفسح المجال أمام العباس في يوم كربلاء للتعبير عمّا تنطوي عليه قرارة نفسه من قمع العناصر الحاقدة والرذيلة والعديمة الوفاء.

وفي الوقت ذاته فان ما نقل عنه من مشاهد ملحمية في كربلاء، تدل على مدلى شجاعته الفذة. ولكن بما ان وفاء العباس تجسد في غاية العطش والمظلومية، فقد أتيحت حينها الفرصة لتتجلى بأبهى صورة لكي تُدَوَّن ملحمة الوفاء على امواج الفرات والى جانب نهر العلقمي.

لم يتخلَّ العباس طيلة حياته ولا حتى لحظة واحدة عن أخيه وإمامه ومولاه ولم يقصر في طاعته وخدمته. ولم يشهد التاريخ البشري منذ القدم الى الآن أخاً أوفى وآثر واطوع واخلص من العبّاس لأخيه الحسين. فقد غدا وفاء العباس للحسين مثلاً يضرب على مدى التاريخ. "وفي تأدّبه عليه السلام انه ما كان يجلس بين يدي الحسين إلا بأذنه، كالعبد الذليل بين يدي المولى الجليل. وكان ممتثلاً لأوامره ونواهيه مطيعاً له. وكان له كما كان ابوه علي (ع) لرسول الله (ص). ومن تأدّبه لم يكن يخاطب الحسين إلا ويقول يا سيّدي يا أبا عبد الله، يا ابن رسول الله"[39].

ان مواقف الوفاء والشجاعة التي ظهرت من العباس، هي تلك المشاهد التي كان يرتجيها امير المؤمنين (ع) قبل سنوات خلت، عندما اراد الزواج من أم البنين (أم العباس)، اذ كان حينها يستشرف كربلاء ويرى حاجة الحسين الى سواعد قويّة، وحامل راية شجاع، وناصر وفي، وقائد جيش مستعد للتضحية والفداء. وكان العباس قد احيط علماً بهذا الموضوع منذ صباه، وكان يعلم لأيَّ يوم أدُّخر، ولأي شخص سيضحي. ولهذا السبب كان منذ طفولته يحب أخاه الحسين حبّاً جمّاً، وكان يفتخر ويشعر بالمحبّة والاعتزاز لخدمته. وكان يخاطبه يا مولاي، وياسيدي. وكان يستشعر الفخر والمباهاة بسبب ما كان يسديه من خدمة لسبطي وتذكاري الرسول (ص) وفاطمة الزهراء (س)؛ أي الحسن والحسين (عليهما السلام) ومع انه كان في غاية البطولة والشجاعة، الا انه كان مطيعاً ومتواضعاً لأخيه بعيداً عن أي غرور.

لقد كرّس العباس كل نجدته وفروسيّته وقدرته لأخيه. وزرع في قلوب الاعداء حتى انهم كانوا يعيشون عند سماع اسمه. وكانت شجاعته وفروسيته ونجدته تتداولها الألسن. وكان وفاءه للحسين، ومروءته وشهامته ظل آمن – يلوذ به الخائفون، ويشعرون عنده بالأمن.

كان شجاعاً وشهماً وعالماً ووفياً، وكان ايضاً مؤدّباً ومطيعاً لأمر مولاه، ومتعبّداً ومتهجّداً وذائباً في أخيه الحسين بن علي (عليه السلام) وقد جعله في كربلاء قائد جيشه وحامل لوائه، واستطاع ان يثبت في ذلك اليوم شجاعته ووفاءه. سينتهي بنا البحث الى استعراض صور من بسالته وما كان لها من تأثير في تحديد مصير وقائع عاشوراء. ولكن بما اننا نتحدث هنا عن شجاعتهن فلا بأس من توجيه الانظار الى المشهد التالي:

وكان مارد بن صديق من قادة الجيش وكان بطلاً قوياً طويل القامة، وكان لا يقاتل الا من يراه كفؤاً. فبرز الى العبّاس مدججاً بالسلاح على فرس احمر.

وعندما نظر الى العباس أظهر وكأنه يريد الرأفة به، فطلب منه الاستسلام وإلقاء سيفه، وانشد الأشعار والارجاز. الا ان العباس ردّه وارتجز مبيّناً انه قد ورث الشجاعة من بيت النبوّة، وتحدّث عن مآثره ومناقبه وبطولاته. وانه لا يستسلم من خوف الحسام وان أباه علي بن ابي طالب ما رجع عن مُنازل ولا افزع من مقاتل. ونحن أيضاً نتوكّل على الله.

وعلى حين غرّة خفق عليه العباس كالعقاب الكاسر وأمسك رمحه وجذبه بيده وانتزعه منه، وألقاء على الارض وضربه ضربة شديدة. واراد جيش الكوفة ان يتدخّل لانقاذه. ولكن العباس وثب بسرعة على فرس المارد، وجندل الغلام الذي جاء لنجدة المارد.

وحاول الشمر وجماعة من قادة الجيش الاسراع لانقاذ المارد، الا انه العباس سبقهم وطعنه، وقتل عدداً آخر من جيش يزيد[40].

أدت فروسيّة العباس ومبادرته وتحرّكه في ساحة المعركة في الوقت المناسب، الى ان يتفوّق على خصمه ويصرعه.

كان وجود العباس في جيش الحسين بن علي (ع) سبباً لبث الرعب في قلوب الاعداء، ومدعاة لايجاد العزيمة والاطمئنان ورباطة الجأش في قلوب انصار الامام وعياله، وايجاد الارتياح في نفوس الاطفال الذين كانوا حينذاك تحت حصار مشدد في صحراء مليئة بالاعادي. فطالما كان عباس على قيد الحياة، كان اطفال وحريم آل الرسول ينامون في أمن واستقرار وما كانوا يشعرون بأي قلق؛ لأنه كان هناك حارس يحميهم وهو ابو الفضل.


 

  مع العباس (ع) في ملحمة عاشوراء

 

بما اننا نريد التعرف على العباس بن علي عليه السلام في ميدان كربلاء، فلا مناص لنا من نقل حوادث كان له دور وحضور فيها. ونقل مثل هذه المشاهد يبيّن لنا مدى عمق ايمان العباس، ووفاءه وطاعته، وبسالته ومروءته، وانعكاس ايمانه ويقينه على حد سيفه، وبصيرته في دينه، وثباته على عقيدته، وصلابته في سبيل دينه، وانسه بالشهادة في سبيل الله.

وفي جبهة كربلاء نشاهد رجلاً لم يقف موقف المتفرّج والمحايد في صراع الحق والباطل، بل سارع على مناصرة الحق الى حد التضحية بالنفس. فكانت قامته قمّة الصلابة والشهامة، وقلبه كبحر بلا ضفاف، وصوته كالرعد القاصف؛ فكان بهذه الصلابة والشجاعة ورباطة الجأش، جندياً متفانياً في جيش ابي عبد الله الحسين.

وفي اليوم السابع من شهر محرم كانت قافلة الشهادة قد حطت الرحال في كربلاء منذ بضعة أيام. استولى جيش الكوفة على نهر الفرات، ومنع الماء من الحسين وأصحابه. وكان ذلك بناءً على أمر وصل من الكوفة. اذ ارادوا بهذا الاسلوب الغادر استخدام عتلة ضغط العطش لارغام الحسين على الاستسلام والرضوخ.

أخذ شمر بن ذي الجوشن الذي كان من أكثر الناس كرهاً وحقداً على اهل البيت، أخذ يتحدث عن الحسين بسخرية واستهزاء. فبعد منع الماء عن اولاد الزهراء (عليها السلام)، قال الشمر:

لا تشربون ابداً حتى تشربون من الحميم. فقال العباس بن علي للحسين (ع):

يا أبا عبد الله ألسنا على الحق؟ قال: نعم. فحمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا واسقوا[41].

ضاقت حلقة محاصرة الفرات، وتكثّفت الهيمنة على الماء، حتى تعذّر الوصول الى ماء الفرات. فكانت النتيجة ان بان العطش وقلّة الماء في مخيّم الحسين، وبدا تأثير العطش على اطفال الحسين (ع). وتوجّهت الانظار والقلوب الى العباس أملاً في ان يجد حلاً لهذه المشكلة، ويجلب الماء الى الخيام.

انتدب الحسين بن علي (ع) أخاه العباس ان يتكفّل بمهمة توفير الماء الى الخيام. فأخذ على عاتقه مهمة ارواء ذوي الافواء العطشى. وضمَّ إليه ثلاثين فارساً وعشرين راكباً، وبعث معه عشرين قربة. واعطى راية هذه الجماعة بيد نافع بن هلال. كان الفرات تحت حصار شديد من الجيش المعادي. وكان الوصول الى الماء يتطلب القيام بعمل اقتحامي بطولي لشق الصفوف وكسر الحصار وملء القرب وإيصال الماء الى المخيّم.

وعندما وصلت هذه الجماعة الى النهر، وملأت القرب وخرجت. وعند العودة قطع عليهم الجيش الطريق لمنع وصول الماء الى الخيام. فقاتلوهم من اجل مشاغلة الجماعة الموكلة لمحاصرة النهر، بينما حمل الآخرون الماء الى الخيام. وكان العباس ونافع ضمن الجماعة التي بقيت تقاتل، سواء في المرحلة الاولى عند اقتحام المشرعة، أو في المرحلة الثانية عند إيصال الماء[42].

وكانت هذه اول مواجهة عسكرية بين جماعة من اصحاب الحسين (ع) ضد جيش الكوفة عند ساحل الفرات. وكان العباس قد أعَدَّ نفسه للتضحية في اية لحظة وفي أي مكان يتطلب ذلك، ليكون طوع أمر الحسين (ع) وأبنائه البررة.


 

  الأمان

 

 

 تناهى الى الاسماع صوت من وراء الخيام، صوت ابليس، صوت الوسواس الخنّاس. انه صوت شمر. جاء ينادي: اين ابناء اختنا؟ فاستدعى العباس واخوته الثلاثة[43]. وفي هذه المرة جاء الشمر لكي يفصل أبا الفضل عن اصحاب الحسين.

في بداية الأمر لم يستجب له العبّاس لانه كان يعرف صاحب الصوت ويعلم غايته. فقال الحسين اجيبوه وان كان فاسقاً.

وخرج العباس مع اخوته الثلاثة من الخيمة فعرض عليهم الشمر الأمان الذي كتبه ابن زياد والي الكوفة. وقال: يا بني اختي انتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين. فقال له العباس: لعنك الله ولعن أمانك، تؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا ان ندخل في طاعة اللعناء واولاد اللعناء؟"[44].

وجاء في رواية اخرى انه قال له: "أمان الله خير من امان عبيد الله"[45].

لقد خاب ذلك الرجس ورجع فاشلاً: كان الشمر يريد استمالة العبّاس من اجل يثلم ثلمة في جيش الحسين بن علي (ع) من جهة، ويقوّي عسكر الكوفة من جهة اخرى. كان العبّاس (ع) فارساً مغواراً وتجلياً لشجاعة ابيه امير المؤمنين (ع). وكأن وجوده في جيش الحسين (ع) سبباً لرباطة جأشهم وقوّة معنوياتهم، إلا ان اعداء الحق يفتقدون البصيرة وبُعد النظر. فهل يترك العبّاس في هذه اللحظة المصيرية وهو على اعتاب الشهادة، ابن فاطمة الزهراء ويدع السعادة الأبدية!

فنكس الشمر خائباً. وجاء العبّاس بن علي الى الامام الحسين (ع)، فقام إليه زهير بن القين وقال له: أتريد ان احدّثك بحديث وعيته؟ قال: بلى قال زهير: لما اراد ابوك ان يتزوج طلب من أخيه عقيل – وكان عارفاً بأنساب العرب – ان يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب ليتزوّجها فتلد له غلاماً شجاعاً ينصر الحسين بكربلاء، وقد ادّخرك ابوك لمثل هذا اليوم. فلا تقصّر عن نصرة اخيك وحماية اخوتك.

فقال له العبّاس: أتشجعني يا زهير في مثل هذا اليوم. والله لأُرينّك شيئاً ما رأيته...[46].

يُمثل الكرار في كرّاته      بل المعاني الغر في صفاته

ليس يد الله سى أبيـه       وقدرة الله تجلـّت فيه[47]


  المهلة ليلة عاشوراء

 

كان عصر التاسع من المحرّم. شارف ذلك اليوم على الانقضاء. ولكن بدا ان هناك معركة واقعة لا محالة. كانت الشمس توشك ان تخفي وجهها القاني في نقاب المغرب، ليطل عند ذاك من الافق غروب حزين.

تعالت صيحات الهلال بين جيش الكوفة حتى تناهت الاصوات الى أسماع أصحاب الحسين. يبدو انهم كانوا يتصهيّئون للهجوم. كانوا يتوهمون انهم يستطيعون ارغام اصحاب الحسين على الرضوخ والاستسلام. بينما كانت جبهة الحق ترى ان السعادة في الشهادة. والجنّة تحت ظلال السيوف[48].

أصدر عمر بن سعد (قائد جيش الكوفة) أمراً بالهجوم. وتأهّبت عناصر جيش العدو. وحملت جماعة منهم على مخيم الامام الحسين (ع) وكانت اصوات حوافر خيلهم تقترب شيئاً فشيئاً.

كان الامام داخل الخيمة، فأمر أخاه العبّاس وقال له: بنفسي انت اخرج الى القوم واسألهم عما جاء بهم.

فأتاهم العبّاس في نحو من عشرين فارساً. وقال لهم: مابدا لكم وما تريدون؟ قالوا: لقد جاء أمر الأمير ان نعرض عليكم ان تنـزلوا على حكمه او نناجزكم.

لوى العبّاس عنان فرسه، واسرع الى الامام ليخبره بما أتى به القوم. بينما وقف أصحابه وكان فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسين، لكي لا يدنسوا أذيالهم بعار قتل سبط النبي، ولكن القوم ما كانت لهم اذن واعية يسمعون بها مثل هذا الكلام.

فجاء العبّاس الى الحسين واخبره بما قال القوم. فقال: اما البيعة والاستسلام فلا. ونحن على استعداد للقتال. ولكن ارجع اليهم فان استطعت ان تؤخّرهم الى الغد، وتدفعهم عنا العشية، لعلّنا نصلَّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره. فهو يعلم اني كنت احب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار[49].

وحصلت المهلة. وتوجهت سرية من فرسان عمر بن سعد الى شمال مخيم الحسين واستقرت هناك. وربّما كان غرضها منع وصول الامدادات الى مخيم الحسين، او لمنعهم من الوصول الى الماء، او ربّما لمنعهم من الهروب....

كان جيش الكوفة وقادته يحملون تصوراً تافهاً وهو ان الحسين واصحابه سيستسلمون في الغد، ليقودهم الى الامير عبيد الله بن زياد.

كان العبّاس نفساً لا تنفصل عن الحسين. ففي تلك الأيام عندما حصل لقاء اثناء الليل بين الامام الحسين (ع) وعمر بن سعد في موقع بين العسكرين وحاول الامام ان يثني ابن سعد عن القتال، أمر الحسين كل اصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه اخوه العبّاس وابنه علي الأكبر. وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه ابنه وغلامه[50].

وهذه ظاهرة اخرى دلت على منـزلة كبرى للعبّاس عند سيد الشهداء. فهو عليه السلام كان متفانياً وذائباً في محبّة اخيه الحسين (ع) ومطيعاً له، وما كانت تخطر على باله فكرة الانفصال عنه.

أحق الناس ان يُبكى عليه      فتىً ابكى الحسين بكربلاء

اخوه ابـن والـده علي      ابو الفضل المضرّج بالدماء

ومن واساه لا يثنيه شيء        وجاء له على عطش بماء


 

 

  ليلة تجلّي الوفاء

 

 

كانت ليلة العاشر من المحرم آخر ليالي أبي عبد الله واصحابه. فقد كان الغد يوم التضحية والملحمة، ويوم اثبات صحّة دعاوى الصدق والوفاء، ويوم التفاني والوصول الى الله، والتهافت على بذل النفوس بشغف، وعدم خشية الموت، واستقبال الموت بالبسمات.

في تلك الليلة ألقى الحسين (ع) خطابه الاخير على اصحابه، اذ جمع كل اصحابه وانصاره في خيمة. وبعد حمد الله والثناء عليه، خاطبهم بصوت بليغ يملؤه الحماس واخبرهم بما سيقع في يوم الغد من قتال مرير، مع ما يشاهدونه من كثرة الاعداء، حيث سينتهي أمرهم الى الشهادة، وان كل من سيبقى معه سيُقتل غداً. وبيّن لهم انهم في حلًّ منه ومن شاء منهم فليرحل، وان كل سيف سيُصلت غداً لن يعود الى غمده.

وهكذا خيّر الامام تلك الجماعة من خُلَّص اصحابه ان يستتر من شاء منهم بظلام الليل ويبتعد عن ساحة القتال. ولكن من كانوا يريدون الرحيل كانوا قد رحلوا من قبل. أما من بقوا فكانوا من ذوي العهد والوفاء والثبات والايمان، وارادة صلبة وطلاب شهادة. وتكلموا الواحد تلو الآخر وقالوا: ولم نذهب؟ والى اين نذهب؟ وهل نذهب لكي نعيش بعدك؟ لا جَعِل الله ذلك اليوم ابداً[51]. فماذا نقول للناس اذا رجعنا إليهم، انا تركنا سيدنا واين، وتركناه غرضاً للنبل، ودريئة للرماح، وجزراً للسباع، وفررنا عنه رغبة في الحياة؟ معاذ الله، بل نحيا بحياتك ونموت معك[52].

 

وبعد العباس تحدث الانصار، وكان حديث كل واحد منهم عبارة عن موجة من الصدق والاخلاص والوفاء، فقال ابناء عقيل ما قالوا. وتحدث مسلم بن عوسجة بكلام يثير الحماس والحميّة. وقال زهير بن القين مثل مقالته، وعبّر محمد بن بشير عن مدى اخلاصه ووفائه، وهكذا الحال فيما قاله القاسم ذلك الفتى اليافع الذي وصف الشهادة بين يدي عمّه بأنّها أحلى من العسل. وكان كل كلامهم تعبيراً عن عميق ايمانهم.

وذهب أصحاب الامام الى خيامهم، وانهمكوا كلّهم في اعداد سلاحهم لمعركة الغد، واقبلوا على العبادة والتلاوة والدعاء.

في ذلك الشطر من الليل اضطلع العباس بمهمة خاصة. فقد كان هو العين الساهرة على حراسة مخيم الحسين (ع)، اذ كان هو البطل الذي لا يقهر في جبهة الحق، وبه انيطت مهمة حماية المخيّم وتفقّد جوانبه فركب فرسه، وتوشّح بسيفه واخذ يطوف حول الخيام[53].

كان يريد ان ينام الاطفال والنساء في هذه الليلة الاخيرة بأمان ولا خوف، بعيداً عن تعرّض الاعداء.

في تلك الليلة عاش الاعداء في خوف، ونام أطفال الحسين في أمان. ولكن في الليلة الحادية عشر – بعد استشهاد العباس – انقلب الحال، اذ استوطن الخوف والرعب في قلوب اطفال اهل البيت[54].

 

في ليلة عاشوراء كان العباس بن علي لا يفتر عن ذكر الله، وظل يحرس الخيام الى الصباح. وما كان أحد يجد في نفسه الجرأة على الاقتراب من خيام اهل البيت. ومرّت تلك الليلة الطافحة بالهم والحزن والخوف، حتى يبزغ غد مليء بالملاحم، ويشهد ما يشهد من وفاء العباس، وما سطره اصحاب الحسين المخلصون، من ملاحم بطولية.


  يوم الدم، يوم الشهادة

 

وفي صبيحة يوم عاشوراء اصطف المعسكران للحرب، عبّأَ الحسين أنصاره فجعل زهير بن القين في الميمنة، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وثبت هو وأهل بيته في القلب. واعطى رايته أخاه العباس؛ لأنه وجد قمر الهاشميين اكفأ ممن معه لحملها[55].

 

كان لحامل الراية في ميادين الحرب في الماضي، أهمية خطيرة. وكان يتم اختيار حامل الراية من بين اشجع المقاتلين واصلبهم واكثرهم ايماناً. وقد سلّم الامام الحسين (ع) الراية للعبّاس وذلك لأن قمر بني هاشم كان هو الاكثر كفاءة ومقدرة على حمل اللواء والصمود في ساحة الوغى، أي انه كان قداراً على اداء هذه المهمّة أكثر من غيره.

كان عاشوراء بمثابة ساحة لابلاغ الرسالة، واتمام الحجّة، وللتحذير والإنذار. وتحدث الامام والنخبة من اصحابه الى الاعداء عدّة مرّات أملاً في ان تؤثر تلك الخطب والمواعظ فيهم فتصحو ضمائرهم فيمتنعوا عن اراقة دم سبط الرسول، الا ان قلوبهم كانت اشد قسوة من التأثر بتلك المواعظ والتحذيرات.

كانت المسافة من المخيّم الى ساحة المعركة بضعة مئات من الامتار. ثم ان الحسين كلّم الناس ووعظهم. فلمّا سمع اخواته كلامه هذا صحن وبكين وبكى بناته فارتفعت اصواتهن. فأرسل اليهن أخاه العباس بن علي وابنه علياً وقال لهما: اسكتاهن، فلعمري ليكثر بكاؤهن[56].

 

واضطرمت نار الحرب، وكانت في اول الأمر على صورة المبارزة الفردية، إذ كان يبرز الفرسان من الجانبين ويتبارزا ويتجاولان في الميدان. وقد استطاع جيش الامام، مع قلّة عدده، ان يفرق جيش العدو ويشتت شمله سواء في المبارزة الفردية، او في الهجوم الجماعي، وتزلزلت الارض تحت اقدامهم. وقاتل اصحاب الامام وقَتلوا وقُتلوا وجرحوا وتمرّغوا بدمائهم، وسجلوا اروع صفحات الملاحم.

وبقي العباس حاملاً للراية وهو يقود الجيش ويوجّه سير المعركة، ولم يقر له قرار منذ صبيحة يوم عاشوراء الى حين شهادته. فكان تارة يسارع لنجدة جريح، ويسارع تارة اخرى الى مؤازرة مقاتل وانقاذه من محاصرة العدو، أو يهجم تارة اخرى على صفوف الاعداء كالبرق الخاطف، ويشتتهم ذات اليمين وذات الشمال وهو يزأر كزئير الاسد.

في احدى المرات كان هناك اربعة من انصار الامام، كانوا قد قدموا من الكوفة والتحقوا به، وكان فرس نافع بن هلال تحت تصرفهم، وهم عمرو بن خالد، ومولاه سعد، ومجمع بن عبد الله، وجنادة بن الحارث. فشدّوا مقاتلين. فأحاط القوم بهم، فندب الحسين أخاه العباس لهم، فحمل العباس وحده وضرب فيهم بسيفه، حتّى فرّق القوم عنهم، وخلّصهم وأتى بهم. ولكنهم كانوا عازمين على الشهادة. وقد أصابتهم جراحات كثيرة. فأبوا من الرجوع وقالوا: يا أبا الفضل اين تذهب بنا ونحن نطلب الشهادة؟ خل بيننا وبين القوم. فعادوا الى القتال وحملوا والعباس يدفع عنهم حتى قُتلوا في مكان واحد[57].

 

أخذ هجوم العدو يزداد كل لحظة، وكثر عدد الشهداء من اصحاب الامام. وكلّما اشتدت الحرب وحمي وطيسها وتفاقم هجوم جيش الكوفة، كان العباس يمتطي فرسه ويكر عليهم ويشتت جمعهم. فكان ذلك مدعاة لسكينة الحسين بن علي (ع). كان يحث اخوته على الجهاد. وامر اخوته الثلاثة ان يبرزوا الى القتال دفاعاً عن الحسين، وقد قاتلوا حتى قتلوا ثلاثتهم[58].

 

واستمر القتال الى ما بعد ظهر يوم عاشوراء وقَد قُتِل عدد من أصحاب الإمام الحسين وتمرّغوا بدمائهم. واستشهد منهم نافع بن هلال، وعابس الشاكري، وحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، والحر، وجون، وزهير بن القين، وحنظلة، وعمرو بن جنادة، وغيرهم كثيرون. وغلب العطش على مخيّم الامام.

ووصل الدور الى شباب بني هاشم. وكان علي الاكبر أول هاشمي يُسقى كأس الشهادة. وتبعه الآخرون. كانت هناك مظلومية وغربة وعطش لا يطاق. لكن العباس بقي حاملاً لواء الجهاد بصلابة، ويتعقب الامام الحسين (ع) وكأنه ظلّه، وجعل من نفسه درعاً لوقايته.

وغلب العطش على الحسين بن علي (ع). فركب فرسه وتوجّه نحو الفرات وصعد على مرتفع مشرف على الماء. واراد ان يصل الى ماء الفرات ليشرب منه. وكان العباس أمامه ويحيطه ببصره. وصدر الأمر الى جيش الكوفة بمنع الامام من الوصول الى الماء؛ لأنّهم كانوا يعلمون لو ان الامام شرب الماء واستعاد قواه لكانت خسائرهم كبيرة جداً. فاصطف أمامه جماعة منهم ورموه بالسهام. كان هناك خمسمائة فارس موكلين بمراقبة النهر. وفي خضم ذلك الضجيج فصلوا بين الامام والعبّاس، واحاطوا بالعباس وفصلوه عن الحسين لكن العباس قاتلهم قتال الابطال، واصيب بجراح، وتمكن من الوصول الى الامام[59].

 



  ملحمة ساحل الفُرات

 

ان اشد ما يواجهه بطل فارس كالعباس هو ان يبقى آخر من يقاتل. فقد كانت نفسه الطافحة بالايمان وقلبه المليء بحب الشهادة يثقل عليه البقاء الى آخر لحظات عاشوراء وتحمل كل تلك المصائب ولوعة فقد الاخوان والانصار ورؤية تلك الحالة من الغربة والمظلومية التي كان يعيشها سيّد الشهداء. ولكنه كان أمام تكليف يجب عليه اداؤه.